ابن المقفع
100
آثار ابن المقفع
قال دمنة : وكيف كان ذلك ؟ قال كليلة : زعموا أن قردا رأى نجارا يشق خشبة وهو راكب عليها ، وكلما شق منها ذراعا أدخل فيها وتدا . فوقف ينظر إليه وقد أعجبه ذلك . ثم إن النجار ذهب لبعض شأنه فركب الخشبة وجعل وجهه قبل « 1 » الوتد وظهره قبل طرف الخشبة فتدلى ذنبه في الشق ونزع الوتد فلزم الشق عليه فكاد يغشى عليه من الألم . ثم إن النجار وافاه « 2 » فأصابه « 3 » على تلك الحالة فأقبل عليه يضربه فكان ما لقي من النجار من الضرب أشد مما أصابه من الخشبة . قال دمنة : لقد سمعت ما ذكرت ، وليس كل من يدنو من الملوك يقدر على صحبتهم ويفوز بقربهم . ولكن اعلم أن كل من يدنو منهم ليس يدنو منهم لبطنه ، فإن البطن يحشى بكل شيء . وإنما يدنو منهم ليسر الصديق ويكبت « 4 » العدو . وإن من الناس من لا مروءة له وهم الذين يفرحون بالقليل ويرضون بالدون كالكلب الذي يصيب عظما يابسا فيفرح به . وأما أهل الفضل والمروءة فلا يقنعهم القليل ولا يرضون به دون أن تسموا « 5 » بهم نفوسهم إلى ما هم أهل له وهو أيضا لهم أهل ، كالأسد الذي يفترس الأرنب ، فإذا رأى البعير تركها وطلب البعير . ألا ترى أن الكلب يبصبص بذنبه حتى ترمي له الكسرة من الخبز فيفرح بها وتقنعه منك . وأن الفيل المعترف بفضله وقوته إذا قدم إليه علفه لا يعتلفه حتى يمسح وجهه ويتملق له . فمن عاش ذا مال وكان ذا فضل وإفضال على نفسه وأهله وإخوانه ، غير خامل « 6 » المنزلة ، فهو وإن قل عمره طويل العمر . ومن كان في عيشه ضيق وقلة وإمساك « 7 »
--> ( 1 ) قبل : إلى جهة . ( 2 ) وافاه : أتاه . ( 3 ) أصابه : وجده . ( 4 ) يكبت : يذل ويقهر . ( 5 ) تسمو . تعلو . ( 6 ) خامل : مضمور غير مشهور . ( 7 ) امساك بخل ، شح .